الطبراني

461

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ( 253 ) ؛ أي ولو شاء اللّه لم يقتتلوا مع اختلافهم بأن يأمر المؤمنين بالكفّ عن القتال ، وبأن يلجئهم جميعا إلى ترك القتال ، ( وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ) من تقدير الاتّفاق والاختلاف وغير ذلك من مّا توجبه الحكمة . قوله عزّ وجلّ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ ؛ حثّ على الانفاق في الجهاد في سبيل اللّه . وقيل : هو الأمر بالزكاة المفروضة . وقوله تعالى : ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ ) يعني يوم القيامة ( لا بَيْعٌ فِيهِ ) أي ليس فيه فداء ( وَلا خُلَّةٌ ) أي ليس فيه خلّة لغير المؤمنين . وأما المؤمنون فتكون لهم خلّة كما قال تعالى : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ « 1 » . قوله تعالى : ( وَلا شَفاعَةٌ ) أي لغير المؤمنين ، وأما المؤمنون فيشفع بعضهم لبعض ويشفع لهم الأنبياء والرسل عليهم السّلام . قوله تعالى : وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ؛ ( 254 ) ؛ أي هم الذين ظلموا أنفسهم حتى لا خلّة لهم ولا شفاعة . وكان عطاء يقول : ( الحمد للّه الّذي لم يقل : والظّالمون هم الكافرون ؛ لأنّ كلّ كافر ظالم وليس كلّ ظالم كافرا ) . قوله عزّ وجلّ : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ؛ ذكر وحدانية اللّه تعالى وصفته ؛ ليعلم أنّ من كان بهذه الصفة لا يخفى عليه كفر من كفر ومعصية من عصى ؛ فيجازي كلّ عابد على ما عمل . فأول هذه الآية نفي معبود الكفّار وإثبات معبود المؤمنين ؛ وإثبات الشيء مع نفي غيره أبلغ في الإثبات ، كأنه قال : ( اللّه لا إله إلا هو ) دون غيره ، وهو المعبود لا معبود للخلق سواه . ومعنى ( الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) الدائم الذي لا يموت موصوف بالبقاء على الأبد ، وبه حيّى كلّ حيّ . وأما القيوم فهو القائم بتدبير الخلق في شأنهم وأرزاقهم وأعمالهم وآجالهم ومجازاتهم على عملهم ، وقيل : معنى القيوم العالم بالأمور من قولهم : فلان

--> ( 1 ) الزخرف / 67 .